Middle East Watch
La revue de presse alternative pour un Moyen Orient libre

avril 2017


كيف خسرت « الثورة السورية » قضيتها... ولو ربحت !

par Raymond Atallah


أن يصبح النائب اللبناني عقاب صقر علماً من اعلام « الثورة السورية »، أمر يحكي لوحده قصة المآل البائس الذي آلت اليه تلك « الثورة ». وهي على الاصح تحولت الى بؤرة لشتى انواع التجارات واستدراج الخدمات. اصبحت الحليف الاول للنظام الذي تدعي عزمها على اسقاطه، لأن النظام ليبقى يحتاج الى مثل تلك المعارضة الراسبة في الامتحان السياسي والاخلاقي وحتى العسكري على الرغم من كل الدعم الخارجي الذي تتلقاه بفعل المساعدات الخليجية الوافدة اليها عبر موزعي حليب الاطفال والبطانيات، لبست العقلية البدوية لرعاتها، ومنهم من لبس عقالاتها ايضاً.

اعمال القتل المبتكرة من تقطيع للرؤوس، والقاء لبعض اعوان النظام من فوق السطوح العالية الى حتفهم، والاعدامات الفورية للمعتقلين، وغير ذلك من جرائم الحرب الموصوفة، والقاء الجثث في النهر بعد تشويهها، ناهيك بالسيارات المفخخة
التي تقتل الابرياء من دون تمييز، ليست من طبائع السوريين. لكنها ارتكبت باسم « الثورة السورية »، ولم يرف لأحد في المعارضة السورية جفن. ما ارتكب باسم « الثورة السورية » من جرائم ومجازر وتجاوزات يفوق اضعاف اضعاف ما تنسبه المعارضة لاجهزة النظام. فكيف سقطت المعارضة السورية في هذا المنحدر الاخلاقي السحيق؟

أول خطوة في طريق الانحدار الاخلاقي انها حملت السلاح واعتمدت العنف وسيلة. ولا يعفيها من المسؤولية القول او التبرير بأنها اضطرت الى مواجهة العنف بالعنف. هذه المقولة وحدها تضع المعارضة على المستوى ذاته مع النظام الذي انبرت للعمل على اسقاطه. اصبحت نظاماً عنفياً يسعى الى السلطة بأدوات نظام العنف. لكن عنف النظام منظّم، اما عنف المعارضة فانه مُشاع وفالت من عقاله ومتعدد الغايات، وغاياته غامضة تخفي اكثر مما تُظهر على بشاعة ما تُظهر. فاذا كان هذا الذي نشاهده هو الشعب السوري، فانه بصراحة لا يستحق غير هذا النظام الذي يبدو بالمقارنة ارحم واكثر انسانية. فأي عاقل في الدنيا، وهو يرى ما يرى، يريد ابدال هذا بذاك؟

صدّق كثيرون المزاعم القائلة ان الانتفاضة السورية بدأت سلمية، وان عنف النظام دفعها الى العنف دفعاً وهي مرغمة. لكن ما رآه العالم بوضوح ان الاستعدادات لهذا النوع من الانتفاضة كانت جارية من سنوات متكئة على فساد بعض الاجهزة الحكومية التي ثبت انها لم تكن ساهرة على امن البلاد والشعب. ما حدث على الارض لا يمكن ان يكون قد حدث بين عشية وضحاها. هو امر مدبر ومُحضّر له على امتداد عشيات طويلة.

حال المعارضة السورية في مسألة اللجوء الى العنف، من حيث التبرير والممارسة، يشبه كثيراً ما قام به لبنانيون في زمن التمدد الفلسطيني على الاراضي اللبنانية، ومفاده ان السلاح الفلسطيني لا يفلّه إلا السلاح اللبناني، وكان ما كان. خسر المسلحون اللبنانيون الحرب من اللحظة الاولى التي حملوا فيها السلاح لأن حمل السلاح بحد ذاته جعلهم مطايا لاسرائيل وللجهات المتعددة الجنسيات التي تمولهم وتدعمهم. حامل السلاح يقع من اللحظة الاولى في شراك اسرائيل والقوى الداعمة لها حتى ولو وصل صراخه ضد اسرائيل والاستعمار الى آخر القطبين. السلاح الذي لا يكون ضد اسرايل فهو معها. صار المعارضون السوريون حملة السلاح مرتبطين رغماً عن انوفهم بقوى خارجية لا يعرفونها لأنها تعمل من وراء موزعي حليب الاطفال والبطانيات من امكنة يسيطر عليها حلف شمال الاطلسي.

اما « العقائديون » السابقون الساعون الى المراكز والوجاهة وفرصة الاثراء على دم الشعب السوري، سواء من اقصى اليسار الشيوعي او من اقصى اليمين المتجلبب بالاسلام، فانهم يعرفون ماذا يفعلون، والى اين هم ذاهبون. بل يعرفون الى اين هم آخذون بلادهم سواء وصلوا الى مبتغياتهم ام لم يصلوا. جريمة هؤلاء اكبر من جرائم صغار المسلحين الذين يقتلون ويفجرون ويحزون الرؤوس ويخطفون الناس من اجل ابتزاز الاموال.

المسلح الصغير لا يعرف من اين يأتيه السلاح، فالمهم عنده هو ان يحصل عليه. لكن منظّري « الثورة » يعرفون من اين يأتي السلاح، ولماذا يأتي. يعرفون المنبع ويعرفون المصب. هم يعرفون ان اسقاط حاكم او نظام لا يستحق تدمير بلد عظيم وتشتيت اهله والقضاء على روحه التاريخية اليقظة قبل الاسلام، واثناء الاسلام، وبعد الاسلام. يعرفون انه اذا تحول الاسلام الى سلاح فانه تنطبق عليه مواصفات السلاح الحربي، فيصبح اداة بيد الاعداء التاريخيين للامة. المتسلحون بالاسلام مثل المتسلحين بالقنابل والبنادق والعبوات العشوائية، قتلة يدمرون بلادهم وشعبهم لمصلحة قوى خارجية متعددة المصالح والاهداف.

« إمام غشوم خير من فتنة تدوم »، قال فقهاء المسلمين قديماً، لكن فقهاء الاسلام الجديد المغزول بيد الفتنة، اختاروا بقاء الأمام الغشوم واستمرار الفتنة التي تدوم، لتبقى سكة السلاح سالكة على الخطين : سكة تمد بلادهم باللحى من اقاصي
العالم الاسلامي، وسكة تمدهم بالمال والسلاح من خارج الحدود لتدمير البلاد وقتل الابرياء من العباد. لم تعد لأحد منهم ارادة بذاته. صاروا دمى متحركة على انغام القنابل وأزيز الرصاص. هذا ليس طريق الخلاص، انه طريق الهلاك حتى لو انتصروا وحكموا.

السهولة التي سقط فيها بعض الانظمة العربية في ما اطلق عليه الاجانب « الربيع العربي » وتبناه المعارضون على اختلافهم، كانت بالنسبة الى المعارضين السوريين سهولة مغرية فطاش سهمهم. لعلهم لم يقرأوا جيداً تاريخ سوريا الحديث. عندما بدأت في الخمسينات نذر تمرد على نظام أديب الشيشكلي، حزم الشيشكلي حقائبه، فقال له مناصروه : الى اين؟ البلاد كلها ما زالت معنا. قال لهم ان المكتوب يُقرأ من عنوانه. قالوا : وماذا يعني ذلك؟ قال لهم بصريح العبارة : إن الذي جاء بي لم يعد يريدني. وهذا ليس حال النظام القائم المصاب بعلل عديدة سوى علة وجوده. لم يأت به احد من الخارج ليحزم حقائبه ويذهب باشارة من الخارج، كما جرى في تونس ومصر على سبيل المثال. هناك كانت عملية تسلم وتسليم في البيت الواحد. صبوا خمرة قديمة في قناني جديدة وسموا ذلك ربيعاً.

هذا يفتح ملف « الاخوان المسلمين » المختبئين في الازمة السورية وراء اصابعهم ووراء مختلف الاقنعة. هم في مصر لم يشاركوا بداية في الحراك الشعبي، بل كانوا خارج ميدان التحرير جملة وتفصيلاً، بل كانوا ضد الحراك الشعبي ويتفاوضون مع مدير الاستخبارات الراحل عمر سليمان صبحاً ومساءً. لكن رعاتهم في الخارج عندما حزموا امرهم
اقحموهم في الميدان للاستيلاء على الحراك الشعبي، فظهر الشيخ يوسف القرضاوي على « عرش » مرفوع على الاكف فوق شيوخ الازهر، وفوق كل شباب مصر التقدمي. ظهروا بهذا الشكل لأنهم يعرفون ان « المعلّم » يريدهم بديلاً، فقد عقدوا معه الصفقة قبل الظهور. ظهروا ليقطفوا ثمار الثورة، حسب التعبير اللبناني بعد ثورة ١٩٥٨. قطفوا ثمار الثورة بالاستيلاء على الحكم، وفي الحكم حاولوا ان يقطفوا كل الثمار دفعة واحدة فانشقت مصر، وانشقت سيناء عن مصر، وعلى هذا المنوال سوف تنشق مناطق اخرى.

هم، اذن، غير موثوقين، وغير جديرين بالثقة. اما في سوريا فانهم حاولوا التذاكي. القاصي والدني يعرف ان « الاخوان المسلمين » هم القوة الحقيقية الكامنة على الارض في المعارضة السورية، ومعظم المعارضين الآخرين هم طلاب معاشات، ويسعدهم لقاء ذلك ان يكونوا واجهات لغيرهم، منهم واجهات للاخوان المسلمين الذين لم يأت اي نبأ عن
ذكر اسمهم لأنهم كامنون الى اللحظة الاخيرة كما فعلوا في اماكن اخرى، ومنهم واجهات لمختلف اجهزة الاستخبارات، من فوق الى تحت. من الاجهزة الاميركية والاطلسية، الى الاجهزة الخليجية التي مهمتها تقديم تلك المعاشات الى اصحاب المعاشات.

لكن مشكلة « الاخوان المسلمين » ان احداً في العالم لا يصدق انهم خارج دوامة العنف وآلة القتل العاملة بأشد طاقاتها وتفانينها. الغليونيون، والسيديون، والصبرانيون وغيرهم من اصحاب الياقات البيضاء المتصدرين الشاشات هم المعارضة الظاهرة، اما المعارضة المستترة فهم « الاخوان المسلمون ». واحدة تظهر، والاخرى تبطن، و« المعلّم » واحد. هذا « المعلّم » يستر ويكتم بيد، ويعلن او يكشف الغطاء بيد. اليد الكاشفة تعطي الاموال، واليد الساترة تعطي السلاح ومعه حليب الاطفال والبطانيات. واحدة تعطي نقداً والاخرى تعطي عيناً. والذي يحرك الدمى السورية من وراء الستار هو الذي يحفظ التوازن ويخلق المبررات ويقرر الخطوات حرباً وسلماً.

قبل نحو عقد من الزمان عقد « الاخوان المسلمون » السوريون مؤتمراً في العاصمة البريطانية لندن بقيادة مرشدهم آنذاك علي صدر الدين البيانوني واصدروا على اثره تعهداً طنطنوا فيه وطبلوا وزمروا يقضي برفض استعمال العنف في العمل السياسي، وفُهم من ذلك انه نقد ذاتي لاعتمادهم العنف في مطلع الثمانينات ضد نظام الاسد الاب في انتفاضتهم « التاريخية » الفاشلة في مدينة حماه. قيل يومها انه فعل توبة تحول فيه الاخوان الى حمامات للسلام والى مجتمع مدني. وقيل ايضاً انهم القوا طعماً للاسد الإبن تحت ستار عدم اخذ الابن بجريرة الاب (والعم ايضاً)، من اجل دفعه الى
الغاء القانون ٤٩ الذي يجرّم المنتسبين الى تنظيم « الاخوان المسلمين » ويحكم بالاعدام على كل من يخالف احكام هذا القانون. كانوا يومها تحت راية نبذ العنف يريدون العودة من منافيهم الى سوريا لاستئناف نشاطهم السابق، وقوامه : « تمسكنوا حتى تتمكنوا ». أليس هذا بالضبط ما فعلوه في مصر وفي تونس؟ وها هو العالم كله يشهد على ما فعلوا عندما تمكنوا. وما ان تم ابعاد نائب الرئيس السوري عبدالحليم خدام من منصبه في دمشق واختار ان يعيش في العاصمة الفرنسية حتى هرع اليه « الاخوان المسلمون » بقيادة البيانوني ليشكلوا معه ما اسموه « جبهة الخلاص » ناسين اربعين سنة من تاريخ خدام في اعلى مناصب السلطة السورية التي كانوا ينصابونها العداء. لكنهم سرعان ما القوه جانباً عندما اكتشفوا انه جثة سياسية هامدة ولا يستطيع ان يعطيهم اي موطئ قدم في الداخل السوري، لأن الذي يخرج من السلطة في دمشق لا يعود له اي شأن على الاطلاق، واكبر الامثلة على ذلك رئيس الحكومة السابق رياض حجاب الذي دفعوا له الملايين لقاء انشقاقه ليكتشفوا انه لا يمون على احد في سوريا.

« المعلّم » في عواصم القرار ضاق ذرعاً برموز المعارضة وواجهاتها، فاكتشف عجزهم وانقطاعهم من شجرة يابسة بعدما انفق عليهم حمد بن جاسم من اجل اقامتهم في الفنادق، وحضور المؤتمرات بين العواصم، ودفع الرواتب لهم ولأقاربهم والمقربين منهم، بينما على الارض السورية التي لا يعرفونها ولا تعرفهم بعد طول انقطاع، لا يوجد لهم اثر.

قرر « المعلّم » انه ليس بحاجة الى واجهات طفيلية من هذا النوع، فبدأ يكشف الغطاء ليقدم « الاخوان المسلمين » بوجه جديد، فكان تشكيل الائتلاف السوري المعارض بقيادة احمد معاذ الخطيب الحسني حفيد الشيخ تاج الحسني، وما ادراك من هو الشيخ تاج الذي نصبه الفرنسيون المنتدبون على سوريا في مطلع اربعينات القرن الماضي رئيساً للدولة في
دمشق. جاء الخطيب الحسني الى رئاسة الائتلاف المعارض المطبوخ في مطابخ العواصم الغربية، والعربية ايضاً، ليسترد مقعد جده الموهوب له من الاستعمار الفرنسي.

الرئيس الفرنسي المخيب لآمال الفرنسيين الذين انتخبوه على صيت فرنسوا ميتران، فتش في دفاتر باريس العتيقة فظن انه وقع على كنز استراتيجي كالكنز الذي وقع عليه الاسرائيليون في حسني مبارك من قبل، ليكتشفوا تالياً ان محمد مرسي هو كنز اعظم شأناً. على الاقل لم يخاطب حسني مبارك اياً من رؤساء اسرائيل بعبارة : « صديقي العزيز » التي خطها مرسي بقلمه في رسالة الى شيمون بيريز. هذا الكنز الذي اكتشفه هولاند في دفاتر باريس العتيقة وزكته شركات النفط العالمية ممثلة بشركة« شل الهولندية البريطانية الاميركية » الموظف لديها منذ سنوات وما زال يقبض منها راتباً سخياً، كان لا بد من استقباله في قصر الاليزيه استقبال الرؤساء. استقبل هولاند الخطيب الحسني ليريه ألبوم جده الشيخ تاج متأبطاً ذراع المندوب السامي الفرنسي، ومستقبلاً الجنرال ديغول في جيش الشرق بعد طرد قوات حكومة فيشي من لبنان وسوريا على ايدي الانكليز الوافدين لهذه الغاية من فلسطين. طبعاً عند استقباله لرئيس الائتلاف السوري المعارض في قصر الاليزيه، اخفى الرئيس هولاند البوم صور الرئيس بشار الاسد وهو يستعرض الى جانب الرئيس السابق نيكولا ساركوزي القوات الفرنسية بمناسبة « كاتورز جوييه » عيد الثورة الفرنسية في جادة الشانزيليزيه الموصول
عند قوس النصر بجادة الجيش العظيم، قبل ثلاث سنوات فقط. فماذا عدا مما بدا؟

طبعاً اخفى الرئيس هولاند عن احمد معاذ الخطيب الحسني تقارير الشرطة الفرنسية في دمشق (لأنه لم تكن في ذلك الوقت اشرطة تسجيل مصورة كالتي في متناول كل من يحمل هاتفاً نقالاً) عن التظاهرات الصاخبة التي سيّرها الدمشقيون ضد الشيخ تاج الموالي للمندوب السامي وهو شيخ معمم وخطيب في مساجد المسلمين. لم يقل له ان المتظاهرين في الشام كانوا ينقسمون الى جوقتين : « انا الشيخ تاج حبوني » فترد الجوقة الثانية بالقول : « لعنة عليك، لعنة عليك » (تقتضي آداب الكتابة عدم ذكر الهتاف الشامي الاصلي فاقتضى تحريفه).

فأل سيء على المعارضة السورية ان يختار لها « المعلّم » رئيساً من الدفاتر العتيقة للاستعمار القديم. وفأل سيء ان يكون الموقف الاول لهذا الرئيس الآتي من دفاتر الاستعمار القديم هو مطالبة الحكومة الاميركية بشطب « جبهة النُصرة » الناشطة في التفجيرات السورية كواجهة لتنظيم « القاعدة » من لائحة التنظيمات الارهابية، لأن القرار الاميركي المذكور شكل ضربة قاسية للمعارضة السورية المسلحة التي تعتمد على « جبهة النُصرة » وغيرها من التنظيمات الارهابية الاسلامية التي تجند مقاتلين للقتال في سوريا من جميع انحاء العالم. فأل سيء هذا الذي يجري لأنه مقدمة لاعلان اميركي يلوح في الافق بأن معظم المقاتلين في سوريا ينتمون الى تنظيمات ارهابية محظورة، لا بد من وقف تمويلهم وسحب البساط من تحت ارجلهم. وبحظر التنظيمات المسلحة من قبل « المعلّم » وتجفيف مصادر تمويلها وتغذيتها بالحليب وتدفئتها بالبطانيات، تتعرى المعارضة السورية ولا تعود قادرة على اي فعل يستوجب تمويلها إلا من قبيل الشفقة والصدقة.

فهل هي مجرد مصادفة ان يلتقي وريث الشيخ تاج بوريث رفيق الحريري في الرياض لتنظيم امدادات الحليب للاطفال والبطانيات لستر عورات حرائر سوريا؟ لا... هذا ليس مصادفة. وهل هي مصادفة ايضاً ان لقاء الخطيب الحسني مع سعد الحريري في السعودية اسفر عن مقتل معظم فريق الشباب المقاتل الآتي من طرابلس الى تلكلخ؟

وهل هي مصادفة ان يكشف عقاب صقر من اسطنبول الاخوانية الاردوغانية عن نشاطه في توزيع الحليب والبطانيات بأمر من سعد الحريري عبر الحدود التركية مع سوريا، ثم يكشف عن لوائح معتقلين من تنظيم « القاعدة » في السجون السرية اللبنانية، كما قال، واصفاً هؤلاء المعتقلين بأنهم « سجناء رأي » مطلوب اطلاقهم مقابل اطلاق الحجاج اللبنانيين الشيعة المخطوفين في سوريا على يد « ابو ابراهيم ».

وهل هي مصادفة ان يسمي عقاب صقر على وجه التخصيص معتقلاً اردنياً في لبنان عندما تم اعتقاله مع مواطن قطري تم الافراج عنه وتسفيره من بيروت بطائرة خاصة لأن قطر هددت بطرد جميع اللبنانيين من اراضيها في حال اصرار السلطات اللبنانية على توقيفه. ومن من اللبنانيين نسي ملابسات قضية اعتقال الشاب الطرابلسي شادي المولوي في مكتب وزير المال محمد الصفدي، ثم اطلق سراحه على الفور ليعاد الى طرابلس بسيارة الوزير المذكور وبعراضة
شعبية شارك فيها رئيس الحكومة نجيب ميقاتي نفسه. ومن منهم نسي ان الكشف عن المولوي جاء نتيجة التحقيق مع القاعدي الاردني، والقاعدي القطري، بتعليمة اميركية من « المعلّم » الذي يوزع التعليمات التي ينتج عنها توزيع الحليب والبطانيات.

ولذلك فانه فأل سيء للمعارضة السورية المسلحة ان يقوم « المعلّم » بادراج « جبهة النُصرة » على لائحة الارهاب، ليقول لأتباع الشيخ تاج انه لا يستطيع بعد اليوم امدادهم بالحليب والبطانيات لئلا تقع في ايدي الارهابيين، فكان ان عوض عليهم وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل في مؤتمر اصدقاء سوريا الاخير في المغرب بأن وعدهم بمائة مليون دولار، هات تأتي وهات لا تأتي، ليبلّوا بها ريقهم اذا حصلوا عليها، لأن الوعود السعودية يأتي تنفيذها متأخراً
دائماً، واحياناً بعد فوات الاوان. وعلى هامش هذا المؤتمر الذي غابت عنه وزيرة الخارجية الاميركية هيلاري كلينتون بداعي المرض، وقف محمد معاذ الخطيب الحسني الرئيس السوري المنتظر يطالب واشنطن بالتراجع عن حظرها لتنظيم « جبهة النُصرة » باعتباره في نظرها تنظيماً ارهابياً. وقد فهم الخطيب الحسني القرار الاميركي المذكور على
حقيقته، لأنه ينسف اتفاقه مع سعد الحريري في الرياض حول توريد حليب الاطفال والبطانيات الى السوريين الذين اسهموا في تشريدهم وتركهم في العراء.

ولا احد يرى حتى الآن ما اذا كان الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند اطلع حفيد الشيخ تاج على السيناريو الفرنسي لتقسيم سوريا الى دويلات، واحدة في حلب وواحدة في دمشق، ودولة درزية في جبل الدروز، ودولة علوية في جبل العلويين، عندما جاءوا اليها منتدبين من قبل عصبة الامم بعد تفكيك الامبراطورية العثمانية التي يحاول طيب رجب اردوغان اعادة احيائها تحت عباءة « الاخوان المسلمين » هذا السيناريو الفرنسي القديم هو الذي يعملون على تحقيقه من غير طائل بسبب تماسك الدولة السورية وجيشها الحافظ لوحدة البلاد والنظام. لكنهم حققوا في الطريق الى هذا الهدف نجاحاً
بتدمير سوريا وخلق تنظيمات ارهابية، وعصابات للخطف، واخرى للقتل والانتقام، واخرى للمتاجرة بحليب وبطانيات عقاب صقر و« ابو ابراهيم ».

هذه المسرحية الدموية المؤسفة بدأت تتحول الى امر مضحك خصوصاً بعد الانتصار الذي حققته حركة « حماس » الاخوانية في غزة على الجيش الاسرائيلي. فأي انتصار هو هذا الذي تخلت فيه « حماس » عن حاضنيها التاريخيين في دمشق وبيروت وطهران، لتستقبل مكانهم امير قطر ووفد من اعضاء « ١٤ آذار » الذين تجشموا عناء السفر الى غزة الاخوانية من بوابات مصر الاخوانية برئاسة النائبين اللبنانيين انطوان زهرا، وجمال الجراح، ولتتصدر المشهد بعد ذلك النائبة بهية الحريري، الامر الذي أضحك سياسيين من لبنانيين وفلسطينيين.

اي مشهد هو هذا الذي مثله وزير خارجية مصر الاخوانية، محمد كامل عمرو، عندما افتتح اطلالة مصر على العالم العربي من بيروت بالزيارة التي قام بها الى رئيس « حزب القوات اللبنانية » سمير جعجع في معراب، قبل لقائه اي مسؤول في الدولة اللبنانية؟ كان البعض في لبنان يتوقع ان تفتح مصر اطلالتها من النافذة اللبنانية بزيارة رموز مصر التاريخية في لبنان، كالجامعة العربية، او التنظيمات المعروفة بولائها العقائدي لمصر مثل « المرابطون » او « التنظيم الشعبي الناصري »، او حتى عبدالرحيم مراد ونجاح واكيم، لكن « المعلّم » واضع فصول هذه المسرحية المضحكة تعمد ان يجري عرض هذا المشهد امعاناً في تحقير القضية العربية الكبرى، وتصغيرها، وتتفيهها، ومحاولة دفنها تحت اقدام دعوات هجينة باسم الاسلام ظناً منه انها سوف تختفي وتنقطع جذورها الى الابد بعد تسليط انابيب النفط والغاز عليها لحرقها من جذورها فلا تعود تنبت من جديد. لكن مصر وسوريا وفلسطين، بما فيها قطاع غزة، سوف تكون له
بالمرصاد ان قدّر لها ذلك.

اما لبنان، وعلى الرغم من تعدد المضحكات على مسرحه، فسوف يفاجئهم، كما فاجأهم دائماً، بأن يبقى منارة الشرق حاملاً لواء الحق. لأن هذا هو قدره.

P.-S.

الديبلوماسي
العدد رقم ١٣٨ كانون الاول / ديسمبر ٢٠١٢

RSS 2.0 [?]

Site réalisé avec SPIP
Squelettes GPL Lebanon 1.9.0