Middle East Watch
La revue de presse alternative pour un Moyen Orient libre

juin 2016


لبناني علّم اليمنيين كيف يطبخون على الشمس

دخلوا اليمن من بابيها فوجدوا التاريخ اقوى من عليها !

par Raymond Atallah

لليمنيين ثلاثة حلفاء ليس من بينهم ايران، كما يزعم الزاعمون. حلفاؤهم هم : الزمان، والصبر، والجبال، ورابعهم... « القات ».

مقاتل يمني وراء رشاش « دوشكا »على ظهر حماره، لمواجهة طائرات الـ« اف. ١٦ » السعودية

روما في عزّها ايام اغسطس قيصر فشلت في حملتها باتجاه اليمن. تاه جيش القائد الروماني إيليوس غاليوس في الصحراء عام ٢٤ قبل الميلاد، وضاعت معه فرصة الوصول الى البحر الاحمر وباب المندب. الامبراطورية البرتغالية المتجهة الى الهند والصين في « غوا » و« مكاو » في القرن السادس عشر مرت في عدن مرور الكرام. ثم بعد نحو قرن ونصف القرن من ذلك جاءت الامبراطورية البريطانية التي لا تغيب عنها الشمس، وفي طريقها الى الهند ايضاً، لتحط رحالها في عدن كذلك وتبقى هناك نحو قرن لأنها ملكت السيطرة على البحار بعد امتلاكها البخار، لكنها لم تجرؤ او تفكر بالتوغل الى الداخل اليمني.

وبعد ذلك جاءت امبراطورية بني عثمان فنطحت رأسها بصخور جبال اليمن، لترتد خائبة فبقي « سفر برلك » عبرة لمن يعتبر، ورواية لمن يستمع.

فاليمن هو المكان الذي ظل مستقلاً على دوام الدهر. لاستذكار هذه الحقيقة يكفي ان الامام يحيى حميد الدين ومملكته المتوكلية في اليمن كانوا أول دولة في العالم اعترفت بالثورة البلشفية في روسيا وبالاتحاد السوفياتي الناتج منها، في عشرينات القرن العشرين يوم كان الاميركيون والاوروبيون يخوضون الحرب الاهلية الروسية الى جانب الروس البيض. لم يكن نجم اميركا في ذلك الوقت قد بزغ على العالم، فأراد الامام حليفاً دولياً قوياً ومهاباً في وجه الانكليز الرابضين على جنوبه والداعمين لغريمه ابن سعود. إذ يمكن القول أن الامامة في اليمن هي الطبعة الاولى غير المنقّحة من « ولاية الفقيه » قبل رفع رايتها مزيدة ومنقحة في طهران خلال العقود الاخيرة. الطبعتان تلتقيان على رفض ومقاومة التدخل الخارجي، وتفترقان على المناحي الاجتماعية : واحدة رجعية ومتخلفة وواحدة عصرية وتقدمية.

لم يكن اعتراف حكم الامامة في اليمن بالاتحاد السوفياتي وثورته الاشتراكية من بداية الطريق المفارقة الوحيدة. وربما كانت المفارقة الكبرى تنافره مع الدولة السعودية الجارة على الرغم من تقاربهما في طبيعة نظام حكم كل منهما. ذلك ان الدولة السعودية الوليدة في نجد والمتحالفة مع الانكليز المتواجدين في عدن والخليج، كان لديها مخطط توسعي شمل الحجاز والاحساء وعينها على اليمن، فاقتطعت منه ثلاث مناطق حدودية مهمة في ظروف مؤاتية لها هي : نجران، وجيزان، وعسير. فصار الجاران عدوان لدودان، على الرغم من اعتراف اليمنيين بالامر الواقع الجديد في اتفاقية الطائف لعام ١٩٣٤. لكن المعاهدات في مثل هذه الحالات لا تصفي القلوب.

ثورة الضباط الاحرار في مصر عام ١٩٥٢ وبروز زعامة جمال عبدالناصر على المسرح العربي والاقليمي والدولي، احدث بدوره مفارقات ملفتة في الجزيرة العربية. اقلقت « ثورة ٢٣ يوليو » المصرية السعوديين، وأنعشت آمال اليمنيين. لكن عبدالناصر في مطلع عام ١٩٥٦، وتحديداً قبل ستة اشهر فقط من العدوان الثلاثي (الفرنسي البريطاني الاسرائيلي) على مصر بسبب تأميم قناة السويس، أراد ان « يضبضب » الوضع بين السعودية واليمن تحت شعار « أمن البحر الاحمر »، فاتفق الثلاثة، المصريون والسعوديون واليمنيون على توقيع ما اسموه « ميثاق جدة » في 21 نيسان/ ابريل من عام ١٩٥٦. هذا الميثاق الأمني وقعه عن مصر جمال عبدالناصر شخصياً، ووقعه عن السعودية الملك سعود بن عبد العزيز ومعه ولي عهده وزير الخارجية فيصل بن عبد العزيز، ووقعه عن المملكة المتوكلية اليمنية الإمام سيف الاسلام البدر نيابة عن أبيه الامام احمد حميد الدين.

ليس من المفيد الآن بعد ستين سنة، ومرور مياه كثيرة تحت الجسر اليمني والعربي عموماً، نبش مضامين ذلك الميثاق، ميثاق جدة لعام ١٩٥٦. الأمر المهم هو ما نشأ عنه من مفارقات في التطورات اللاحقة. فقد اعتبر الامام احمد حميد الدين أنه حصل على ضمانة مصر وجمال عبدالناصر فأعلن انحيازه الى مصر وليكن ما يكون، على قول أنور السادات بعد « ميثاقه » مع معمر القذافي حيث قال : « أنا مع أخي معمر وليكن ما يكون » !

في حرب السويس بعد اشهر ستة من ميثاق جدة، اعتبر الامام أحمد انتصار مصر على الانكليز في تلك الحرب انتصاراً لليمن.

وعندما هاج العالم العربي وماج في مطلع عام ١٩٥٨ مع قيام الوحدة السورية المصرية واعلان « الجمهورية العربية المتحدة » طالبت المملكة المتوكلية اليمنية بالانضمام الى دولة الوحدة، وأوفد الامام احمد ابنه الامام البدر الى دمشق ليعلن انضمامه الى دولة الوحدة. لكن بسبب تفاوت الانظمة طلب عبد الناصر من الموفد اليمني تشكيل صيغة اتحادية مختلفة تستوعب المملكة اليمنية اطلقوا عليها اسم « الدول العربية المتحدة » ووضعوا لهذه الصيغة هيكلاً ودستوراً.

لكن بعد الانفصال السوري عن مصر في عام ١٩٦١ نشأت مفارقات عجيبة غريبة ومتداخلة تتعلق بميثاق جدة المشار اليه. هو ميثاق امني يُفترض فيه ان يشكل ضمانة لموقعيه بمساندة بعضهم البعض. الذي حصل هو ان عبد الناصر اتهم السعوديين علناً بخرق الميثاق لوقوفهم وراء الحركة الانفصالية في سوريا، وفي هذا كثير من الصحة. أما المفارقة الافدح فقد حدثت عندما قام الجيش اليمني بقيادة المشير عبدالله السلال بانقلاب ضد حكم الامامة وإعلان النظام الجمهوري في صنعاء، واستنجاد الجمهوريين بمصر الناصرية المرتبطة مع حكم الامامة بميثاق أمني يُفترض فيه ان يحمي الإمام البدر المخلوع الذي كان قد تسلّم مقاليد الامور بعد وفاة أبيه الإمام احمد، والذي يجمعه مع عبد الناصر نظام اتحادي، كما سلف القول.

الشيء المضحك في الامر ان الإنقلابيين الجمهوريين في صنعاء استندوا الى ميثاق جدة الموقع بيد الإمام البدر في طلبهم النجدة المصرية لتثبيت دعائم الانقلاب على البدر. وفي هذه الخلطة العجيبة من تحالفات الاضداد صارت مصر المتحدة مع الاماميين حليفة المنقلبين عليهم، وصار الإماميون، الأعداء التاريخيون للسعوديين، في حضن المملكة العربية السعودية.

انسحاب الجيش المصري من اليمن قبل حرب عام ١٩٦٧ مع اسرائيل، زيّن للسعودية أنها تستطيع الانفراد بحكم اليمن. قبلت بالحكم الجمهوري على هذا الظن ربما تحت شعار « جمهورية في الجيب خير من إمامة في الغيب »، وهي في الاصل إمامة معادية.

ومنذ ذلك الوقت لم تنقطع المفارقات اليمنية وصولاً الى الوضع الراهن الذي يبدو فيه السعوديون وقد خرجوا من المعمعة اليمنية المتواصلة كالخارجين من المولد بلا حمّص كما يقول المثل الشعبي. او كأنهم اتكأوا على شعار جديد بدل جمهورية الجيب وإمامة الغيب قرأه اليمنيون على مزاجهم بما معناه « نحكمكم أو نقتلكم » ولكم الخيار، فهبت « عاصفة الحزم » التي قد تكون مخارجها هي الاخرى في تحالفات الاضداد كما جرى في زمن عبد الناصر والإمام البدر قبل نصف قرن.

المفارقة الجديدة هي ان السعودية التي بدت وسط « عاصفة الحزم » في موقع القوة، كانت في الحلبة السياسية في موقع ضعف. حصانهم في الميدان اليمني هذه المرة حصان اعرج لا يستطيع ان يمضي الى نهاية الشوط. لعلهم وهم ينظرون الى حصانهم الاعرج عبد ربه منصور هادي، يتندمون على حصانهم الجموح السابق علي عبد الله صالح.

في السابق كانت القيادة السعودية المخملية للملف اليمني، المتمثلة بالامير سلطان بن عبد العزيز ولي العهد ووزير الدفاع، ثم بولي العهد ووزير الداخلية الامير نايف بن عبدالعزيز، تعمل على قاعدة « ان لله جنوداً من ذهب »، اي على « نظرية التزييت »، او كما يقولون في بلاد الشام « أطعم الفم تستحي العين ». ثلاثون سنة حكم علي عبد الله صالح اليمن بدعم سعودي (واميركي) على احسن ما يرام. لعب دور الثعلب ودور الاسد بغاية الاتقان الى درجة انه مات وقام من بين الاموات، وبمساعدة السعوديين ايضاً، ليقف شوكة في حلقهم هذه المرة، وهذه ايضاً مفارقة من مفارقات اليمن التي لا تنتهي. خاض ستة حروب في الشمال، وحرباً كبرى طاحنة في الجنوب ضد الحراك الانفصالي في عدن، ولم يرف له جفن. أين هذا من الحصان السعودي الراهن الاعرج الذي هرب من الميدان عند اول طلقة !

خاض علي عبد الله صالح ستة حروب ضد الحوثيين في صعدة، وبمباركة سعودية. حاربهم في زمن قائدهم الأول بدر الدين الحوثي، وحاربهم في زمن قائدهم الثاني حسين بدر الدين الحوثي، مؤسس حركة « انصار الله » المتشكلة على غرار « حزب الله » اللبناني الذي بات له في اليمن باع طويل. فلا عجب ان الطائرات السعودية المغيرة على صعدة تعمدت قصف ضريحه. وحاربهم اخيراً في زمن قائدهم الحالي، الفتى عبد الملك بدر الدين الحوثي.

في آخر حرب شنها علي عبد الله صالح على الحوثيين قبل عزله في همروجة « الربيع العربي »، وقف السيد حسن نصر الله الامين العام لـ« حزب الله » اللبناني يخطب في بيروت داعياً الرئيس علي عبد الله صالح لوقف الحرب ضد الحوثيين. ومما قاله نصر الله في ذلك الخطاب عبارة ملفتة : « ما الحوثيون وما علي عبدالله صالح ». بمعنى ان الحوثيين والرئيس اليمني المخلوع تالياً يمكنهما ان يشكلا فريقاً واحداً بدل ان يكونا فريقين متخاصمين ومتقاتلين. وبالفعل صار صالح فريقاً واحداً مع الحوثيين اعدائه السابقين، ولو بعد خلعه. هذا الذي افقد السعوديين الجدد صوابهم، ربما لأن فتيلتهم قصيرة خلافاً للأولين.

حتى تنظيم « القاعدة » الارهابي في اليمن، الذي كان من اهم الاذرع السعودية لأميركا في حرب افغانستان ضد الجيوش السوفياتية، استطاع علي عبد الله صالح ترويضه الى درجة ان طائرت اميركا الالكترونية بدون طيار عجزت عن اصطياده. ويمكن الرجوع لفهم تلك الحقبة الى تحقيق لـ« الديبلوماسي » حول الموضوع عنوانه « اليمن « التعيس... القاعدة في مكتب الرئيس » !

من المفارقات الملفتة ايضاً التشابه في الوضع السياسي بين اليمن ولبنان. كلاهما مسرح لصراعات اقليمية وليس في اي منهما رئيس للجمهورية. تنظر الى الرئيس اليمني السابق الجنرال عبد ربه منصور هادي فكأنك تنظر الى الرئيس اللبناني السابق الجنرال ميشال سليمان، وكلاهما يهتف بحياة المملكة العربية السعودية. وتنظر الى اعلان لقاء الرياض لليمنيين المنفيين وهو اعلان تجاوزته الامم المتحدة اخيراً بالدعوة الى لقاء آخر غير مشروط في جنيف، فكأنك تنظر الى اعلان بعبدا، فوفاش بفوفاش !

أو كأنك تنظر الى « لقاء الجمهورية » اللبناني في بيت ميشال سليمان، الى جانب سمير مقبل وأليس شبطيني، فترى صورة عبد ربه منصور هادي الى جانب خالد البحاح وأحمد عوض بن مبارك. والاهم من ذلك انك تنظر الى السيد عبد الملك الحوثي فكأنك ترى صورة السيد حسن نصر الله، وترى حركة « انصار الله » في صعدة وحجة كأنها « حزب الله » في الجنوب والبقاع.

وللبنانيين مع اليمن حكايات قديمة لا تخلو من طرافة. ومن ابرز الشخصيات اللبنانية التاريخية التي تعاطت مع اليمن بشكل من الاشكال، الاديب الرحّالة أمين الريحاني المعروف بلقبه « فيلسوف الفريكة » الذي زار اليمن في عهد الامام يحيى حميد الدين ودوّن مشاهداته ولقاءاته في كتابه « ملوك العرب »، وكذلك الامير شكيب ارسلان الذي كان يراسل زعماء الدول العربية ومنهم الإمام يحيى، ويقال ان المير شكيب هو الذي اوصى الإمام المتوكلي بالاعتراف بالاتحاد السوفياتي. لكن اللبناني الذي عمل مع الحكم الإمامي كمستشار وديبلوماسي وترك بصمات ملحوظة هو الدكتور عدنان الترسيسي الذي وضع كتباً عديدة عن اليمن، منها : « اليمن وحضارة العرب، مع دراسة جغرافية كاملة »، وكتاب « سبأ وحضارات العرب الاولى »، وكتاب « بلاد العرب وحضارات العرب الأولى ».

وكان الدكتور الترسيسي أيام سفارته في بيروت مهووساً باختباراته عن الطاقة الشمسية، وربما كان هو الذي اقنع الامام احمد كيف « يطبخ على الشمس ». فقد كان الترسيسي يأتي الى حرم الجامعة الاميركية في بيروت وبيده طبّاخ من صنعه يعمل بالطاقة الشمسية فيضعه في الشمس أمام الطلاب المتحلقين حوله يقلي عليه البيض أمامهم !

والمعروف ان عبارة « يطبخ على الشمس » تطلق مجازاً على القادة الصبورين طويلي النفس، الذين ينتظرون لحظتهم من غير ان يدانيهم يأس او قنوط. ولا احد يعرف ما اذا كان عدنان الترسيسي قد تعلم الطبخ على الشمس من اليمنيين، او هو الذي علمهم تلك الحرفة !

لكن ما يحير السعوديين الآن بعد اكثر من شهرين من القصف الجوي المتواصل على المدن والمرافق اليمنية ان الحلول الديبلوماسية المطروحة في الكواليس الدولية، ومنها على الاخص المواقف الاميركية، لا تريحهم. وقد ظهر هذا الانزعاج عندما قاطع اربعة من حكام الخليج وعلى رأسهم العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز لقاء « كامب دايفيد » الذي دعاهم اليه الرئيس الاميركي باراك اوباما. وفي اللقاء الذي تم بغياب القادة الخليجيين الاربعة لم يقدم الرئيس الاميركي الى الخليجيين ما كانوا يصبون اليه، ناهيك بأنهم لم يستطيعوا ثنيه عن توقيع اتفاق نووي مع ايران. بل هو قال لهم بالفم الملآن ان الخطر عليهم من داخلهم وليس من ايران، وهذا ما اعتبروه ثالثة الاثافي !

في البداية فرح السعوديون والخليجيون عموماً بقرار مجلس الامن الدولي رقم ٢٢١٦ تحت الفصل السابع، وهو قرار يُلزم الحوثيين بالعودة من حيث أتوا، والجيش اليمني بالعودة الى ثكناته، وبالدعوة الى إلقاء السلاح. لكن هذا القرار بقي حبراً على ورق على الرغم من كونه أقرّ تحت الفصل السابع، فلم تجد السعودية جيشاً حليفاً يأتي اليها ليخوض حرباً برية في اليمن بحجة تطبيق ذلك القرار.

الباكستانيون اعتذروا، والمصريون تهربوا، واليمنيون المتحالفون مع السعودية في داخل اليمن تبخروا، والرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند اللاهث وراء صفقات السلاح المليارية وعدهم بجنود سنغاليين لم يأتوا، وتنظيم « القاعدة » الذي كان في السابق يعمل بتطنيش من علي عبد الله صالح تقطعت به الحبال والسبل، فانكفأ في معظمه الى حضرموت حيث يقال ان السعودية تحاول من هناك تأسيس جيش يمني رديف يخوض عنها الحرب في داخل اليمن، وتحت عباءة الرئيس المنتهي الصلاحية العامل من منفاه السعودي، بحجة اعادة الشرعية. بل أن ما اقلق السعوديين اكثر ان الامم المتحدة التي كانت ترعى الحوار اليمني، وكادت في عهد مبعوثها السابق جمال بن عمر ان تصل الى تفاهم بين مختلف الفصائل اليمنية حول « السلم والشراكة »، لحست قرار مجلس الامن وفصله السابع ودعت الى لقاء جديد للحوار اليمني في جنيف من غير أي شروط مسبقة كتلك التي فرضها قرار الفصل السابع. بذلك تكون الامم المتحدة قد نسفت مرجعية الرياض كأساس للحل اليمني، وأحلت مكانها مرجعية اخرى ووضعت قرار مجلس الامن في خبر كان فلم يعد يصلح حتى كغطاء لتدخل خارجي ما في اليمن اذا وجدت جهة قابلة بهذا التدخل.

فلا عجب ان السعوديين ويمنييهم بقيادة عبد ربه منصور هادي اعلنوا على الفور رفضهم للقاء جنيف الاممي، ورفضهم لمشاركة ايران في اي لقاء يتعلق باليمن، باعتبار ان وكالة منصور هادي حصرية. والاوضح من ذلك ان الرئيس اليمني السابق اللاجئ في الرياض طالب بحوار جهوي بين الشمال والجنوب، فكان ذلك اوضح تصريح بالسعي الى تقسيم اليمن من جديد الى شمال وجنوب كما كان في زمن الانكليز، لا كما انتهى اليه في زمن علي عبد الله صالح والاميركان من ورائه، بحيث ان محاولة الانفصال التي جرت بقوة السلاح في عام ١٩٩٤ لم يُكتب لها النجاح لأنها جرت بدون موافقة اميركية. وبقي الحراك الجنوبي حركة بلا بركة حتى وهو في خارج اليمن يبشّر بالانفصال.

والوضع كما هو الآن تتداخل فيه ثلاثة عوامل مقلقة للجانب السعودي :
- العامل الاول، الضعف الميؤوس منه لحليفهم اليمني. ذلك ان الدمار الكبير الذي احدثته « عاصفة الحزم » السعودية في اليمن، جعل جميع اليمنيين في داخل اليمن ينظرون نظرة عدائية تجاه اي يمني يتعاطى مع الرياض الى اي جهة انتمى والى اي فصيل سياسي انتسب. فعندما خرج السوريون من لبنان او اخرجوا بقي اكثر من نصف اللبنانيين متعاونين معهم ويجاهرون بالولاء لهم. حتى ان مظاهرة ٨ آذار/ مارس الحاشدة التي قادها « حزب الله » وحلفاؤه في بيروت انطلقت تحت شعار « شكراً سوريا ». لم يخرج اي يمني حتى الآن يشكر السعودية على حسناتها السابقة، وعلى الارجح لن يخرج احد، لأن الدمار الذي احدثته « عاصفة الحزم » أزال كل المكرمات السابقة. فالقصف السعودي وحّد اليمنيين بدل ان يفرّقهم فعزّ النصير داخل اليمن.
- العامل الثاني، هو موقف الرئيس الاميركي باراك اوباما. لم يكتفِ الرئيس الاميركي بتصريحاته السابقة حول تشخيص المخاطر المحدقة بدول الخليج مستبعداً الخطر الايراني، ولا بتلميحاته التطمينية الفاترة خلال لقاء « كامب دايفيد » مع المسؤولين الخليجيين، بل طرح مواضيع خطيرة في المقابلة التي اجرتها معه مجلة « أتلانتيك » الاميركية اخيراً وفيها تطرق الى المسعى السعودي للحصول على رادع نووي. ومما ألمح اليه اوباما في هذا الصدد ان قيام السعودية بأي مجهود نووي من شأنه ان يؤدي الى فك التحالف التاريخي بين واشنطن والرياض. ومما زاد في الطين بلة تلميح اوباما الى اعجابه بالقدرات القتالية لـ« حزب الله » اللبناني، مما دفع البعض الى سحب ذلك على الحوثيين و« انصار الله » في اليمن، بما ينبئ بالخشية من ان تبدّل اميركا حلفاءها السابقين بحلفاء اكفأ وأنشط وأفتى بعد توقيع الاتفاق النووي مع ايران.
- العامل الثالث، هو ظهور بوادر صدوع في الصف الخليجي. من البداية اتخذت سلطنة عمان موقفاً مغايراً، بل هي طرحت نفسها وسيطاً محايداً لحل الخلافات اليمنية، باعتبار ان المملكة العربية السعودية باتت طرفاً في الصراع القائم فلم تعد قادرة على جمع الشمل وقد نظر اليها جانب من اليمنيين على قاعدة « فيك الخصام وأنت الخصم والحكم ». لم يعد بمقدور الخصم ان يكون حكماً. ثم بدأ الفتور يدب في بعض الدول الخليجية الاخرى مثل الكويت وقطر وربما دولة الامارات ايضاً. بدأ هؤلاء يحسبون حساب المسافات. كل ابتعاد خليجي مهما كان ضئيلاً له من الآن وصاعداً حساب، ان لم يكن على الصعيد الداخلي فعلى الصعيد الاقليمي، وان لم يكن على الصعيد الاقليمي فعلى الصعيد الدولي.

أما في اليمن ذاتها، فان الطبيعة الجبلية للبلاد تجعلها عصية على الانكسار، ناهيك بالصبر التاريخي للناس على الويلات، وباحتراف الطبخ على الشمس قبل اللبناني عدنان الترسيسي وبعده. فالجبل كان النصير الاول للثورة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي، وجبال اليمن اصعب مسلكاً من جبال الجزائر. وفي الجبال بين الوديان والوعر، لا تنفع الآليات الحديثة. « الآليات » الوحيدة النافعة في الوعر هي الحمير والبغال. حتى ان ظهور البغال والحمير تصلح كمنصات لاطلاق الصواريخ الحديثة وغيرها من الاسلحة الاوتوماتيكية. في كهوف الجبال لا تنفع الطائرات، وفي مسالكها لا تنفع الدبابات، لأنها لا تستطيع ان تصل الى حيث الحاجة اليها.

والزمان في اليمن ليس له حساب على امتداده من اللحظة الى الدهر. ويقال انه في العهد العثماني خطر لكاتب يمني ان يُصدر صحيفة من ورقة واحدة وجه منها باللغة العربية ووجهها الآخر باللغة التركية القديمة المكتوبة بالخط العربي، وسماها « اليمن » وكتب تحت اسمها شعاراً على غرار شعار الصحافي اللبناني كامل مروة لجريدته « الحياة » التي آلت ملكيتها الى الامير خالد بن سلطان، والقائل : « ان الحياة عقيدة وجهاد ». اما شعار الجريدة اليمنية العثمانية فيقول : « اليمن يمان تصدر كلما سنح الزمان ». فالزمان في اليمن طويل وسوانحه بعيدة المدى.

في القديم، اي في الزمان الروماني، كان الرومان يقولون في سجلاتهم البحرية ان بحارة سفنهم المارة في اتجاه بحر العرب كانوا يشمون ويتنسمون روائح البن والبخور الصادرة من الشواطئ الجنوبية للجزيرة العربية على بعد عشرة أميال في داخل البحر قبل ان يشاهدوا اليابسة بأعينهم، فاطلقوا على اليمن العبارة اللاتينية (Arabia Felix) التي ترجمت تالياً الى عبارة « اليمن السعيد »، لكن الترجمة الادق هي « العربية السعيدة »، باعتبارها اقرب العبارات الى « العربية السعودية ». ومع ذلك فان اليمن منذ المملكة الحميرية مروراً بمملكة الملك اليهودي ذو نؤاس الى اليوم عاش في الشقاء اكثر مما عرف السعادة، إلا ربما في عهد بلقيس ملكة مملكة سبأ، او كلما سنح الزمان، والله أعلم !

P.-S.

الديبلوماسي، العدد رقم ١٤٣ - حزيران / يونيو ٢٠١٥.

RSS 2.0 [?]

Site réalisé avec SPIP
Squelettes GPL Lebanon 1.9.0