Middle East Watch
La revue de presse alternative pour un Moyen Orient libre

avril 2017


سوريا تواجه العاصفة بوحدة العائلة والجيش

الغرب لا يريد بشّار الاسد ولا يستغني عنه !

par Raymond Atallah


للنظام السوري في دمشق خبرة واسعة في مواجهة العواصف والاعاصير المحلية والاقليمية والدولية. وهذا النظام القوي ليس رئيسه فحسب بل هو كما يقول المطلعون العائلة والجيش بكافة أسلحنه واجهزة استخباراته.

والجميع الذين تعاطوا مع الازمة الاخيرة في سوريا من سوريين وعرب وقوى اقليمية ودولية ميزوا بين الرئيس الاسد وبين نظامه. جميعهم وقعوا في حيرة. لذلك اختلطت الشعارات والمطالب في الداخل والخارج. ولذلك لم تتطابق. منهم من يريد بقاء الاسد لتغيير النظام الذي يقف على رأسه، ومنهم من يريد بقاء الاسد لانتفاء البديل. ومنهم من يريد بقاء الاسد لحاجتهم اليه في المعادلات الاقليمية. ومنهم من يرى ان سقوط النظام في دمشق هو بمثابة انهيار لسد منيع يتبعه الطوفان. طوفان من الدماء في طول المنطقة وعرضها. بقي بشار الاسد صمام أمان للجميع، لكن السؤال المحيّر للجميع ايضاً هو : هل خرج بشار الاسد من الازمة ضعيفاً مهمشاً تلاحقه العقوبات الدولية، أم خرج منها محصناً قوياً
واثقاً من نفسه ومن سياساته ليعمل على تغيير قواعد اللعبة ويصفي حساباته مع القوى الداخلية والاقليمية والدولية التي هزت نظامه وسعت الى اسقاطه؟

وقبل معالجة مرحلة ما بعد الازمة، فانه من غير الممكن القفز فوق ما قبلها. الملفت في الامر ان الحلقة الداخلية في الازمة السورية الراهنة كانت هي الحلقة الاضعف خلافاً لما هو الحال في البلدان العربية التي انتفضت شعوبها، خصوصاً في مصر وتونس. ولهذا اسباب موضوعية. نقطة ضعف الانتفاضة السورية ضد نظام الاسد، اذا صح وصفها بأنها « انتفاضة »، ان احداً لم يصفها بأنها « ثورة » ضد النظام. بقيت في اطار « المناوشة ». زادها ضعفاً التدخل الخارجي في الشأن السوري من كل حدب وصوب، من الجوار المباشر ومن المطابخ البعيدة. ولذلك بقيت الكتلة الشعبية الفاعلة متماسكة ونأت بنفسها عن المشكلة، ليس بالضرورة لأنها مؤيدة للنظام ومتفائلة بامكانية اصلاحه، لكن لعدم ثقتها بمحركي الازمة وادواتهم الداخلية وعجزهم عن تقديم بديل مقنع وموثوق. خصوم النظام السوري
واعداؤه كانوا اكبر مناصريه.

التميز السوري لا بد للباحثين والدارسين والخبراء في المرحلة المقبلة من التوقف عند نقطة جوهرية تتعلق بتميز الوضع السوري عن بقية الاوضاع العربية. ولا بد للدول العربية والاجنبية ان تقلع عن استخدام ادوات مهترئة وغير عملية في التعاطي مع الوضع السوري، مثل الحصار والمقاطعة والاتهامات غير المعقولة. كان مؤسس « حزب البعث » ميشال عفلق يقول لجمال عبدالناصر اثناء ازمة الوحدة السورية المصرية في اواخر الخمسينات، ان مصر هي الدولة الاقوى والاهم في الشرق العربي، لكن سوريا هي بقية العرب. فلا يجوز لأي دولة ان تتحكم بسوريا لمجرد كونها اكبر او اقوى او اغنى. الانظمة العربية التي سقطت او المنتظر سقوطها
ليس لحكامها من قضية سوى الحكم.

ماذا كان يريد حسني مبارك غير مرضاة اميركا واسرائيل لكي يبقى في الحكم؟
ماذا كان يريد زين العابدين بن علي في تونس غير مرضاة « الموساد » الاسرائيلي للغاية ذاتها؟

الفارق في سوريا ليس في طبيعة النظام وادواته القمعية الشبيهة بما في غيره من الانظمة العربية. لا احد يجادل في ذلك. وهذا امر لا يمكن ان يستمر. التغيير هنا قادم وحتمي. الفارق ان القيادة السورية، وتحديداً الرئيس بشار الاسد، لديهم شيء آخر غير البقاء في الحكم، هو البقاء في الحكم لغاية اخرى لا تختلف عليها الشعوب العربية وان اختلف الحكام. لكن هذه الغاية الاخرى لا تبيح للحكم التمادي في القمع والقهر باسمها. فالميزان دقيق بين الحريات العامة المفقودة للشعب السوري، وبين حرية تدخل القوى
الاجنبية، الصديقة والمعادية على السواء، في اوضاع سوريا الداخلية. سوريا لا تعود سوريا اذا وضعت تحت الوصاية الخارجية. تصبح شيئاً آخر لا يرتضيه الشعب السوري بدليل انه لم يكن يرتضيه طوال تاريخه. تعامى المعترضون المتظاهرون عن هذه الحقيقة فسقطوا في
المطب. جعلوا من تحركهم اداة لقوى خارجية ارادوا أم لم يريدوا، علموا او جهلوا.

ونقطة قوة الرئيس الاسد، وليس بالضرورة نقطة قوة النظام، وهي نقطة لا بد من القول انه تباطأ في اظهارها والتعبير عنها في البداية، ولم تمهله التطورات المتسارعة لاظهارها، انه مستعد لتقديم التنازلات الى شعبه، لكنه غير مستعد ان يقدم التنازلات الى القوى الخارجية الضاغطة. والادراك السوري اساس في هذه المعادلة، لأن القوى الخارجية المتدخلة في سوريا باسم الاصلاح واطلاق الحريات تريد التنازلات لها ولا يهمها الشعب السوري، وهذا شيء مؤكد وله سوابق عديدة وخطيرة.

هذه المعادلة الدقيقة عبّر عنها الرئيس بشار الاسد في حديث له مع جريدة « وول ستريت جورنال » الاميركية بتاريخ ٣١ كانون الثاني/ يناير عندما شرح المحور الاساسي للاستقرار في سوريا بقوله : « ان سوريا مستقرة. لماذا؟ لأن علينا ان نكون لصيقين جداً بمعتقدات شعبنا. هذا هو صلب القضية. فاذا افترقا يحدث الفراغ الذي يولد الاضطراب ». يدرك الاسد وينوي ان يكون التنازل للشعب وليس لغيره. وهذا ما عبّر عنه الامين العام لـ« حزب الله » السيد حسن نصرالله في خطابه بذكرى التحرير في ٢٥ ايار/ مايو بتمييزه بين الانظمة العربية الساقطة ونظام الاسد في سوريا ليس فقط لجهة دعم المقاومة، بل لأن تلك الانظمة كانت مقفلة في وجه الاصلاح، بينما باب بشار الاسد لم يكن مقفلاً تماماً. بقيت فيه فتحة يمكن توسيعها.

التغيير الى اين. صحيح ان القدرات التغييرية للنظام السوري كانت محدودة لاسباب عديدة لعل اهمها عقدة استئثار « حزب البعث » الحاكم بالسلطة من خلال نص دستوري واضح ولا لبس فيه ولا يمكن تخطيه بغير إلغائه او تعديله. لكن الصحيح ايضاً ان وجهة التغيير المطلوب عرضة هي الاخرى للمخاطر. فلا احد في سوريا غير الرعاع والطائفيين المتزمتين والذين ليس لديهم ما يخسرون، يريد التغيير الى المجهول. ذلك ان التغيير الى المجهول يحمل في طياته زوال سوريا. وهذا شيء مختلف عن القول الابتزازي بأن يبقى النظام كما هو او تزول البلاد والدولة. مشروع التقسيم ليس تهويلاً. مشروع الحرب الاهلية ليس امراً متعذراً في اجواء الحقن الطائفي على حساب الحالة الوطنية والقومية التي طبعت سوريا لأجيال وأجيال. هناك امثلة كثيرة يمكن التمثل بها وقد حدثت : العرقنة، واللبننة، والقبرصة، والصوملة، والتدخل الاجنبي جاهز في كل هذه الحالات. طرابلس الغرب لا تبعد كثيراً عن بانياس لقوات « الحلف الاطلسي ». فالتغيير الذي قال به نائب الرئيس السوري السابق عبدالحليم خدام المعارض لبشار الاسد من باريس في حديثه الى القناة الثانية في التلفزيون الاسرائيلي ينضح بغير لبس بمقومات الاتجاه المطلوب : اعتماد على « الحلف الاطلسي » وسلام تنازلي مع اسرائيل. فهل ، هذا هو التغيير الذي يريده السوريون؟ قطعاً لا لأنهم يعرفون عبدالحليم خدام معرفة جيدة، ويعرفون انه كان الوجه الاسوأ والابشع للنظام السوري طيلة ثلاثة عقود كاملة. واذا كان السوريون لا يعرفون فان اللبنانيين يعرفون وبأدق التفاصيل.

الاخوان المسلمون. بين القوى المعارضة للنظام السوري وغيره من الانظمة العربية، يمتاز « الاخوان المسلمون » بأنهم الجماعة المنظمة الوحيدة، ولديها مشروع سياسي مشفوع بخبرات سياسية متعددة الاوجه. لكنهم في الحالة السورية الراهنة لم يكونوا
في مقدمة الصورة كما كانوا في الثمانينات. ظهروا وكأنهم مترددون تماماً كزملائهم اخوان مصر في بداية الانتفاضة الشعبية المصرية. بل كانوا في مصر دعاة تفاوض مع نظام مبارك.

موقف الاخوان المسلمين في الهبات السورية المتنقلة، يحمل وجه شبه مع موقف الرئيس بشار الاسد من نظامه. قريبون وبعيدون في الوقت ذاته. لذلك فان النظام السوري لم يتهمهم كما فعل في السابق. وهذا جزء من الخريطة المعقدة للوضع السياسي في سوريا يجدر شرحه. ظهور « الاخوان المسلمين » السوريين في الصورة من اسطنبول وبرعاية طيب رجب اردوغان له دلالة تفاوضية اكثر مما يدل على رغبة تصادمية. وهذا الى حد ما يفسر رغبة الرئيس الاسد في الحوار وليس في التفاوض. والفارق بين الحوار والتفاوض هو كالفارق بين وجهة التنازل : التنازل للشعب ام التنازل لغيره كائناً من كان هذا الغير.

لكن الاخوان المسلمين الآن ليسوا كما كانوا في حوادث حماه قبل ثلاثين سنة. في وثائقهم ومؤتمراتهم المعقودة في الخارج هناك نصوص صريحة برفض اللجوء الى العنف تحت اي ظرف من الظروف. هناك طبعاً اخوانيون واسلاميون عديدون قريبون منهم يرفضون
ذلك، ويقولون ان الحل الوحيد للتخلص من النظام هو اللجوء الى السلاح. هؤلاء المنشقون عن التيار الاساسي يشكلون في الواقع المنابت الارهابية لأن العنف عندهم مسألة عقائدية. التيار الاساسي لـ« الاخوان المسلمين » وقع في اشكاليات عديدة في السنوات الاخيرة عندما تحالف مرشده العام في سوريا علي صدر الدين البنايوني مع عبدالحليم خدام بعد اخراجه من النظام في دمشق في جبهة واحدة اطلقوا عليها اسم « جبهة الخلاص ». لكن هذه الجبهة لم تدم طويلاً. كان ذلك متوقعاً لأنه زواج مخالف للطبيعة. وقبل الدخول في اسباب هذا الطلاق، لا بد من الوقوف على الاسباب الموجبة التي دفعت « الاخوان » السوريين الى الدخول في هذا التحالف الغريب مع عبدالحليم خدام.

في اغلب الظن ان « الاخوان » توهموا في البداية ان خروج عبدالحليم خدام من النظام السوري هو عملية انشقاقية في « حزب البعث ». وانه من الممكن اقامة حالة ائتلافية في الداخل السوري بين الجماعة المعتبرة خارجة عن القانون والدولة، وبين فريق بعثي له شرعية قانونية في النظام، بحيث يكون ذلك قاعدة لتغيير الوضع الداخلي بصورة سلمية. لكن سرعان ما اكتشف « الاخوان » ان الواقع غير ذلك تماماً، وان عبدالحليم خدام هو صياد فرص وله اجندة مختلفة وارتباطات سياسية ومالية مع قوى متربصة بسوريا، فانفكوا عنه. في هذا التحالف كان « الاخوان » هم الخاسرون، لأن خدام ليس لديه شيء يخسره. كانت « جبهة الخلاص« سوء تفاهم اكثر مما كانت تفاهماً على برنامج.

اما الاخوان المعترضون على هذا التفاهم في الاصل فكانوا يرون ان الخسارة وقعت من اللحظة الاولى بالنظر الى ان خدام كان جزءاً فاعلاً من النظام الذي ضربهم في سوريا يوم كانت في يده سلطة. فالنوم مع العدو لا يخدم غير العدو. ثم هناك من تحفظ لسبب اكثر اهمية مؤداه ان هذا التفاهم اعطى الامر صبغة طائفية فأظهر الصراع في سوريا وكأنه صراع طائفي، وبالتالي فهو تقسيمي النزعة لا محالة.

ويستدل على تناقض التوجهات بين طرفي التفاهم السابق المذكور من الطريق الذي سلكه كل منهما في الاحداث الاخيرة : « الاخوان المسلمون » باتجاه اسطنبول وتركيا الاردوغانية كمحطة للعودة الى سوريا عودة حميدة برعاية اردوغان المتحالف مع الاسد، وعبدالحليم خدام باتجاه « حلف الاطلسي » واسرائيل.

التناقض التركي. كان خيار « الاخوان المسلمين » السوريين سليماً وموصلاً الى صيغة للعودة وتطوير النظام الحاكم في دمشق لولا وقوع رئيس الحكومة التركية اردوغان في مطب المواجهة مع النظام السوري. وجاء ادراكه لدعسته الناقصة تلك متأخراً بحيث صعب عليه ترتيقها. فالقائلون بالخيار التركي واجهوا ايضاً علامات استفهام تعيدهم الى خيار عبدالحليم خدام. اذ على الرغم من توتر العلاقات التركية الاسرائيلية في السنتين الماضيتين بسبب الموضوع الفلسطيني وحصار قطاع غزة، فان تركيا ما زالت تقيم علاقات ديبلوماسية وتعاون عسكري وتبادل تجاري مع اسرائيل، وهي ما زالت عضواً فاعلاً في « حلف الاطلسي » بقيادة الولايات المتحدة. الغطاء التركي للاخوان من هذه الناحية كان وما زال مخروقاً.

لكن الشيء الذي لم يلحظه كثيرون هو وجود تفاوت او حتى تناقض بين رئيس الحكومة اردوغان وبين وزير الخارجية احمد داوود اوغلو. وزير الخارجية هو الذي يدير الدفة. هو معلم اردوغان واستاذه. اردوغان طالب الاسد باجراء الاصلاحات، اوغلو طلب منه « العلاج بالصدمة » اي ان يسقط الاسد نفسه بنفسه بالتخلي عن ركائز نظامه.

وقد خبر اللبنانيون عن كثب نموذجاً من المهمات الديبلوماسية لوزير الخارجية التركي الذي جاء الى بيروت برفقة رئيس الحكومة القطرية الشيخ حمد بن جاسم بن جبر في محاولة اخيرة لحل الازمة اللبنانية على قاعدة « س. س ».

كان اوغلو هو المبادر الى اعلان فشل التسوية اللبنانية المقترحة. بل انه غادر بيروت بحجة ارتباطات مسبقة قبل استكمال البحث او العودة الى دمشق. عدم الانتباه والتنبه الى هذه النقطة هو الذي جعل الناس في لبنان وسوريا والمنطقة يفغرون افواههم من المفاجأة عندما شاهدوا تركيا الاردوغانية ودولة قطر تقفان بحماس ضد نظام الرئيس الاسد.

بورجوازية المدن. شعار « الشعب يريد اسقاط النظام » لم يكن دقيقاً في الحالة السورية، لأن مطلب الغالبية العظمى من الشعب السوري كانت وما زالت تريد اصلاح النظام وتوسيع هامش الحريات السياسية والمدنية. وهذا ما اقر به النظام، بل ما أقر به الرئيس بشار الاسد من اليوم الاول لانتخابه رئيساً للجمهورية. هو استحقاق مؤجل، وان كانت هناك علامات استفهام عديدة حول التأجيل بعضهم من اركان النظام يعزوها الى الظروف الاقليمية، وبعضهم من المعارضين يعزوها الى سوء النية وعدم الرغبة في الاصلاح الحقيقي.

المدن السورية الكبرى حيث الكثافة الشعبية والقوة الاقتصادية لم تتحرك ضد النظام كما تحركت مدن اخرى في المنطقة. مشهد دمشق وحلب لم يكن ابداً كمشهد القاهرة والاسكندرية. ولذلك لم يستطع المنتفضون في بعض الارياف السورية، وخصوصاً الحدودية منها، اقناع احد بأنهم هم الشعب السوري. نقطة واحدة تميز بين « الشعب » و« الشغب ». وتحديد الفواصل يجب ان يكون دقيقاً. الشغب يصنع البلبلة والفوضى، لكنه لا يصنع التغيير. وهذا ما تدركه بورجوازية المدن في سوريا، وهي التي انتعشت على الاستقرار السوري بكل علاّت ومثالب هذا الاستقرار. والمسألة التي حسمها النظام السوري بالموافقة الضمنية والمعلنة احياناً من برجوازية المدن السورية، هي حول اولوية الاصلاح الاقتصادي. النقاش حول الاسبقية بين الاصلاح الاقتصادي والاصلاح السياسي لم يأخذ مداه في سوريا على النحو الصحيح بسبب هيمنة الحزب الحاكم على الدولة والمجتمع. لكنه كان قائماً بصور مختلفة، وان كان
قد حسم مسبقاً لصالح الاسبقية الاقتصادية. طرح النقاش على اساس التفاضل بين التحول الفوضوي على الطريقة الروسية، او التحول المنظم والمدروس خطوة خطوة على الطريقة الصينية. البورجوازية السورية المتمسكة بالاستقرار آثرت دينغ هسياو بينغ بالسير في طريق التدرج على بوريس يلتسين بالسير في طريق توسيع دائرة الخارجين على النظام والقانون والمافيات. قالت البورجوازية السورية انها تستطيع التعايش مع مافيا واحدة منضبطة لكنها لا تستطيع التعايش مع مافيات متعددة ومتناحرة ومنفلتة من اي عقال.

الديناميكيات الاقليمية. الحذر الشديد الذي ابدته القوى الخارجية في المسألة السورية يعود الى دور سوريا في الديناميكيات السياسية في الدول المحيطة. ولذلك اطبقوا على سوريا من كل الجهات بهدف اضعاف النظام لا بهدف اسقاطه. في اعتقادهم ان النظام الضعيف اسرع الى تقديم التنازلات للقوى الخارجية من النظام القوي. يبدو ان تجربة الرئيس الراحل حافظ الاسد غابت عن اذهانهم. هذه المقولة لا تنطبق على النظام السوري، والسبب بسيط لأن وضعه الجغرافي يجعله قادراً على التأثير في جميع الاوضاع المحيطة به منفردة ومجتمعة. التفاهم مع النظام السوري وهو قوي أسهل من التفاهم معه وهو ضعيف. له يد في لبنان، وله يد في فلسطين. فاعل في العراق وله امتدادات في تركيا. كيفما توجهوا في المنطقة، سلماً او حرباً، احتلالاً او انسحابا، يجدونه امامهم ولا مناص منه. يحكم اللعبة ولا تحكمه، كما تبين من حوادث الحدود مع اسرائيل في يوم النكبة ويوم النكسة.

تركيا وصلت معه الى حافة الحرب بسبب التمرد الكردي في ديار بكر والاناضول، ولم تجد مناصاً من التفاهم معه. الذين اخرجوه من لبنان مسبوباً مهاناً عادوا الى استرضائه والوقوف على خاطره. الذين قاطعوا القمة العربية في دمشق عام ٢٠٠٨ تقطعت بهم السبل، فانعزلوا وهم يحاولون عزله. الذين حاولوا اغراءه بالجزرة والتلويح له بالعصا لحمله على التخلي عن اوراق قوته الاقليمية، اضعفوه لكنهم ازدادوا ضعفاً، ولم يفلحوا في حمله على التخلي عن تحالفه مع ايران، او الابتعاد عن « حماس » في غزة، وعن « حزب الله » في لبنان، وعن البعث العراقي ومقتدى الصدر في العراق، او التوجه نحو تحالف صدري - بعثي يحل محل الاحتلال الاميركي
ويعيد التوازن الذي اخل به نظام صدام سابقاً في العراق. فالاستعراض الملفت الذي اقامه « التيار الصدري » في بغداد اخيراً لا يختلف في مدلولاته عما حدث قبله باسبوعين على الحدود الاسرائيلية. ومن لا يقرأ التحرك الصدري في بغداد بمعزل عما يجري في سوريا يكون قد اخطأ الحساب في كل الاتجاهات.

والموقف الغامض والملتبس، وربما المتورط، لـ« تيار المستقبل » الذي يقوده رئيس حكومة تصريف الاعمال سعد الحريري ازاء ما يجري في سوريا، هو ايضاً نتيجة للحسابات الخاطئة في احسن الاحتمالات، او نتيجة للارتباط بأجندات خارجية كما يرى السوريون. فليس من شك في ان سعد الحريري مرتبط بجهة سعودية لها موقف سلبي من النظام السوري، وبالتالي فانه ليس من المستبعد ان تكون تلك الجهة الحاكمة لمصالحه الاقتصادية في المملكة، واستطراداً لمصالحه السياسية في لبنان، قد استخدمت فئات من تياره كجسر للتدخل في الداخل السوري، خصوصاً ان منطقة عكار في شمال لبنان هي من معاقل « تيار المستقبل ». ومن معاقل رئيس الحكومة التركية اردوغان ايضاً، فقد اخذ الحريري اردوغان الى عكار في مظاهرة استعراضية في السنة الماضية، تحت غطاء من التمويه كرد على زيارة الرئيس الايراني محمود احمدي نجاد الى الجنوب. المعادلة التي حملتها تلك الرسالة والتي تتكشف طبيعتها اليوم في « وادي خالد » هي :

اذا كانت قوتكم تتمركز في الجنوب على حدود اسرائيل بدعم من ايران، فان قوتنا تتمركز في الشمال على حدود سوريا بدعم من تركيا. لكنه من السابق لأوانه قبل ان يعلن السوريون ما عندهم، قبول الشائعات بأن تدخل « تيار المستقبل » من عكار في حوادث حمص وتلكلخ هو تدخل حقيقي وفاعل، وان كانت امكانياته حقيقية.

الجيش والنظام. يقولون في اليمن حيث القبائل محل الطوائف، انه كلما قوي الجيش كلما ضعفت القبائل والعكس بالعكس. وفي سوريا، مثلها مثل بقية العالم الثالث النامي او المتلمس للنمو، يقوى الجيش كلما ضعف النظام لأن النظام في حالة ضعفه
يكون بحاجة الى الجيش وربما تحت رحمته. استنجاد بؤر التظاهر ضد النظام في سوريا جاء متأخراً جداً ضعيف الصوت والصدى. اعطى انطباعاً عن ضعف المتظاهرين لا عن ضعف النظام، خلافاً لما حدث في مصر وتونس على سبيل المثال. هناك مال الجيش الى المتظاهرين، لأن المتظاهرين ظهروا من البداية على انهم الفريق الاقوى والاحق بالدعم.

ومما لا شك فيه ان رد المتظاهرين على قمع قوى الامن لهم باستخدام السلاح، ولو ان ذلك السلاح كان قليلاً وقليل الفاعلية، كان من العوامل الاساسية لعدم احتضان الشعب لهم بصورة مكثفة، وهو العامل الاساس في تحرك الجيش ضدهم. الجيش الآن هو دعامة النظام وسر صموده الملفت. هناك طبعاً، كما في كل بلد عربي، قوى تراهن على انقسام الجيش. ان لم يكن على المفاصل الطائفية، فعلى المفاصل الجهوية. لكن انقسام الجيش هو انقسام سوريا. وهذا يعني زوال سوريا كحجر اساس في بنيان المنطقة.

لكن الجيش السوري ادرك من البداية ان الدعوات الطائفية التي صدرت من بعض الجوامع، وخصوصاً في مدينة درعا الجنوبية حيث انطلقت الشرارة الاولى للتطورات، لا تمثل انتفاضة اسلامية عمومية. وهذا ما اكده في النتيجة موقفان :

الجيش والنظام. يقولون في اليمن حيث القبائل محل الطوائف، انه كلما قوي الجيش كلما ضعفت القبائل والعكس بالعكس. وفي سوريا، مثلها مثل بقية العالم الثالث النامي او المتلمس للنمو، يقوى الجيش كلما ضعف النظام لأن النظام في حالة ضعفه
يكون بحاجة الى الجيش وربما تحت رحمته. استنجاد بؤر التظاهر ضد النظام في سوريا جاء متأخراً جداً ضعيف الصوت والصدى. اعطى انطباعاً عن ضعف المتظاهرين لا عن ضعف النظام، خلافاً لما حدث في مصر وتونس على سبيل المثال. هناك مال الجيش الى المتظاهرين، لأن المتظاهرين ظهروا من البداية على انهم الفريق الاقوى والاحق بالدعم.

ومما لا شك فيه ان رد المتظاهرين على قمع قوى الامن لهم باستخدام السلاح، ولو ان ذلك السلاح كان قليلاً وقليل الفاعلية، كان من العوامل الاساسية لعدم احتضان الشعب لهم بصورة مكثفة، وهو العامل الاساس في تحرك الجيش ضدهم. الجيش الآن هو دعامة النظام وسر صموده الملفت. هناك طبعاً، كما في كل بلد عربي، قوى تراهن على انقسام الجيش. ان لم يكن على المفاصل الطائفية، فعلى المفاصل الجهوية. لكن انقسام الجيش هو انقسام سوريا. وهذا يعني زوال سوريا كحجر اساس في بنيان المنطقة.

لكن الجيش السوري ادرك من البداية ان الدعوات الطائفية التي صدرت من بعض الجوامع، وخصوصاً في مدينة درعا الجنوبية حيث انطلقت الشرارة الاولى للتطورات، لا تمثل انتفاضة اسلامية عمومية. وهذا ما اكده في النتيجة موقفان :

١- احجام « الاخوان المسلمين » عن تبني المتظاهرين والدعوات الاسلامية،
٢- تراجع إمام الجامع العمري في درعا الشيخ احمد الصياصنة عن موقفه الاصلي في قيادة انتفاضة درعا، واعلانه تالياً انه ايقن وجود تدخلات خارجية مشبوهة عن طريق جماعات مندسة بين المتظاهرين.

والمعروف ان الجامع العمري في درعا لم يكن مجرد مكان لتجمع المتظاهرين، بل تبين انه مركز قيادة تم فيه خزن الاسلحة وتوزيعها، وكذلك توزيع المنشورات والشموع واليافطات المنددة بالنظام. بعد موقف الصياصنة وموقف الجيش توقفت المساجد عن دورها السابق كنقطة انطلاق للمحتجين والمتظاهرين.

الجيش والطبقات البورجوازية التجارية والقوى الاسلامية المعتدلة دخلت الآن في تحالف غير معلن وغير مقصود. وهذا في مصلحة النظام ورئيسه في مواجهة المخاطر الخارجية، لكنه يرتب عليه جدية في التعامل مع الاصلاح الداخلي ومكافحة الفساد.

هذه العناصر القوية الثلاثة قد لا تكون على حماسها السابق في تاييد النظام ورئيسه، لكنها لا تملك غيره من الناحية الموضوعية. اساس هذا التحالف غير المعلن يقوم على اربع زوايا :

الزاوية الاولى عدم وجود بديل موثوق. الزاوية الثانية الخوف من الصراع الطائفي وانقسام البلاد على خطوط تماس طائفية. الزاوية الثالثة الخوف من انتشار اعمال العنف والقتل والانتقام المتبادل في دوامة لا نهاية لها. الزاوية الرابعة الوعي لقوة الدور السوري في المنطقة والثقة بمهارة الرئيس الاسد في أداء هذا الدور.

P.-S.

الديبلوماسي - العدد رقم ١٣٤ حزيران / يونيو ٢٠١١

RSS 2.0 [?]

Site réalisé avec SPIP
Squelettes GPL Lebanon 1.9.0